تحليلات

العلاقات التونسية – الصينية: التاريخ، مجالات التعاون وآفاق المستقبل

1669832580094 العلاقات التونسية – الصينية: التاريخ، مجالات التعاون وآفاق المستقبل

بقلم محمد ذويب كاتب ودكتور في تاريخ تونس المعاصر والراهن

العلاقات التونسية الصينية: التاريخ ومجالات وآفاق التعاون

العلاقات التونسية الصينية: التاريخ ومجالات وآفاق التعاون

مثلت الصين حالة استثنائية على الصعيد العالمي حيث بنت تفوقها ونهضتها الاقتصادية الجبارة باعتماد مواردها الذاتية وبسواعد أبنائها وليس على الاستحواذ والهيمنة ونهب الأمم والشعوب الأخرى كما فعلت دول أخرى. جاء الصعود العالمي للصين نتيجة إعادة القيادة الصينية ترتيب أولوياتها الإستراتيجية بعد نهاية الحرب الباردة لتعطي الأولوية لأهداف الجيوإقتصاد على حساب الجيوسياسة.

لئن شكلت فترة أواخر خمسينات القرن العشرين بداية ربط العلاقات التونسية الصينية بصفة مباشرة لتوطد أكثر فأكثر بمرور الزمن وترتقي تونس في السنوات الأخيرة إلى مرتبة الشريك الإستراتيجي للعملاق الصيني فإن العلاقات العربية الصينية تعود إلى قرون خلت حيث مثلت حركة السلع والأفكار رابطا أساسيا بين العرب والصينيين. علاوة على الترابط الوثيق والتقارب في المواقف بين تونس والصين خاصة في مستوى المواقف من القضايا الكبرى في العالم وربما يعود هذا إلى الخيارات الديبلوماسية المتشابهة والمعتدلة والرصينة لقيادات البلدين.

نتيجة لما يشهده العالم المعاصر والراهن من تحولات متسارعة وديناميكية سياسية واقتصادية وثقافية متسارعة ونتيجة للتشابه في عدة خصوصيات بين الشعبين الصيني والتونسي فإن مجالات التعاون بين البلدين كبيرة وواسعة وقابلة لمزيد التطور ولها آفاق واسعة والتي تتجلى خاصة من خلال الإرادة السياسية لحكام البلدين من أجل المضي قدما في تطوير الشراكات في مختلف المجالات.

1- تاريخ العلاقات التونسية الصينية

حظيت العلاقات العربية الصينية بأهمية بالغة منذ القدم، فقد تعرف العرب على الشعوب الصينية منذ ما قبل الإسلام وارتبط الطرفان بمعاملات تجارية مثلت الرابط الأساسي في تاريخ العلاقات بينهما فكانت للعرب علاقات تجارية مع الصين عبر طريق برية من العراق شرقا إلى الصين عبر آسيا الوسطى وبحرية من العراق من خلال موانئ الخليج العربي. استمر هذا التواصل خلال العصور الإسلامية الباكرة منذ عهد النبوة وعصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية إذ كانت الصين معروفة لدى عرب الجزيرة العربية فوصلت إلى هناك وفود إسلامية عدة حرصت على استمرارية التواصل مع أباطرة الصين [1].

كان لذلك أثره الكبير في وصول الدين الإسلامي إلى مناطق عديدة في الصين وساهم في تعزيز التجارة العربية الصينية في فترات لاحقة [2]. ثم مع اكتشاف البرتغاليين لرأس الرجاء الصالح وسيطرتهم على جزيرة سوقطرة سنة 1507 تحولت طريق التجارة الدولية وقطعت أمام حركة التجارة البحرية بين العالم العربي والشرقين الأدنى والأقصى. إثر ذلك بفترة وجيزة خضع العرب للاستعمار العثماني ولم تستأنف العلاقات العربية الصينية إلا بعد قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949 وحصول الدول العربية على استقلالها تباعا بعد الحرب العالمية الثانية [3].

بسبب انقسام مواقف العرب إبان الحرب الباردة، تراوحت علاقاتهم بالصين في فترة 1949-1989 بين التحالف والقطيعة وقد شكل اعتراف جمال عبد الناصر بحكومة الصين الشعبية سنة 1956 بدلا من حكومة تايوان إحدى نقاط الخلاف الكبرى بينه وبين الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور وفي الوقت نفسه لم تنشأ دول عربية أخرى على غرار المملكة العربية السعودية علاقات ديبلوماسية مع الصين حتى عام 1990.

لم تكن العلاقات العربية الصينية جديدة أو طارئة يمكن ربطها بحدث أو مسألة أو موضوع معين بل هي مسيرة طويلة تمتد لقرون غابرة تبادل فيها العرب والصينيون مختلف أنواع السلع والبضائع والثقافات التي كانت شاهدا على ما يمكن للعلاقات بين عوالم الشرق أن تنجزه وأن تحققه من نمط إنساني للعلاقات بين الشعوب [4]. واليوم صارت العلاقات العربية الصينية والاهتمامات المشتركة أكثر اتساعا خاصة بفعل ما شهدته الصين من قفزات هائلة على المستوى الاقتصادي جعلتها في مقدمة اقتصاديات العالم [5].

إن أحد أهم الأبعاد التي لا يمكن إغفالها في العلاقات العربية الصينية المعاصرة هو أنها لا تتم بمعزل عن التطورات التي يعيشها النظام الدولي على أكثر من مستوى وخصوصا نمط التفاعل وأنماط القوة والتأثير وازدياد حمى التنافس على الموارد وتصاعد نزعات عدم الاستقرار.

بالنسبة للعلاقات التونسية الصينية، لئن مثّل تاريخ التاسع من جوان 1964 أول تطبيع رسمي للعلاقات التونسية الصينية وذلك لما أدى وفد ديبلوماسي رفيع المستوى على رأسه رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي زيارة إلى تونس استغرقت يومين فإن هذه العلاقات تعود إلى فترة أعمق بكثير ولعل طريق الحرير الذي تأسس قبل أكثر من 2000 عام شاهد على الرابط القديم. وتشهد فسيفساء يين يانغ الصينية الموجودة في مجموعة متحف سوسة على تاريخ التبادل الثقافي بين البلدين [6].

منذ انتصار الثورة الصينية العظيمة بقيادة المفكر والقائد ماو تسي تونغ، فتحت آفاق تاريخية واعدة بتأسيس جمهورية الصين الشعبية، في امتداد لعبقرية شعب ساهم بحضارة رائدة منذ أربعة آلاف سنة ألهمت البشرية معاني العطاء والابداع والإنجاز…

ومنذ ذلك التاريخ توسعت دوائر التقدير والاحترام من قبل الشعوب لسياسة الدولة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي، وظلت هذه الشعوب تتطلع وتعمل من أجل إرساء تعاون بنّاء وفتح أذرعها لمساهمات الصين الشعبية في مواجهة أسباب التخلف وفي إقامة المشاريع الحيوية…

كانت البلاد التونسية من بين هذه الدول التي أدركت الآن وبعد سنوات طويلة من الهيمنة الفرنسية سياسيا اقتصاديا وثقافيا وتاريخيا أن العالم يتغير بسرعة نحو مواعيد تاريخية واعدة بالأمل والتقدم في ظل النهضة الصينية العملاقة…

كما وجبت الاشارة في هذا المقام إلى أن من يزور بلدان القارة الافريقية يقف بالفعل أمام عظمة المجهودات الصينية في البناء وخلق فرص النماء حيث ارتفعت المنارات العلمية وتشكلت بنى تحتية عملاقة…

وللتذكير فإن الصين قد قامت ببعث الصندوق الصيني الإفريقي لتشجيع المؤسسات على الاستثمار بالقارة الأفريقية منذ سنة 2007 [8].

والملاحظ أن التونسي أصبح يُقبل بشكل واضح على التكنولوجيا والبضائع الصينية…

كما وقعت تونس في يوليو 2018 مذكرة تفاهم تتعلق بانضمامها إلى مبادرة “الحزام والطريق”، وعززت تونس والصين تعاونهما عبر مؤسسات عديدة…

2- مجالات التعاون التونسي الصيني

في 10 جانفي 1964، أقامت الصين وتونس علاقات دبلوماسية رسميّا، ومرت الآن أكثر من ستين عاماً على إقامة الصداقة بين البلدين…

تتحد الصين وتونس في حماية المصالح الأساسية المشتركة بينهما، ويدعم البَلَدان بعضهما البعض بثبات في شأن الدفاع عن سيادة البلدين…

تتنوع مجالات التعاون بين تونس والصين لتشمل مجالات عدة مثل الصحة، التعليم، التكنولوجيا، والاقتصاد…

من أهم مجالات التعاون المشترك بين تونس والصين نذكر:

  • مجال الصحة: التعاون في الطب التقليدي والحديث، التطبيب عن بعد، الطب الشخصي، العلاج الجيني، الذكاء الاصطناعي، دعم سياسة الصحة العامة، التلقيح، مكافحة الأوبئة، إدارة المستشفيات، تكثيف التكوين المستمر للإطارات الطبية والشبه طبية.
  • مجال التكنولوجيا: الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في الفلاحة، والتصرف في الموارد المائية، والاقتصاد الأخضر، والرقمي، والتصنيع، وتكنولوجيا الاتصال.
  • مجال الطاقة: تطوير الطاقات المتجددة وتبادل الخبرات في الإدارة البيئية.
  • مجال التنمية المستدامة: تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية أجندة 2030، وتعزيز التنمية الاقتصادية القائمة على التضامن والعدالة الاجتماعية.
  • مجال التجارة والاستثمار: تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين وشركائها.
  • مجال التعليم: رفع مستوى العلاقات الثنائية من خلال التعاون في مجال التعليم.
  • دعم الإصلاحات في تونس: دعم الصين للإصلاحات والإجراءات السيادية التي اتخذتها تونس.

3- آفاق العلاقات التونسية الصينية

يؤكد خبراء الاقتصاد في تونس إمكانية دفع الشراكة الاقتصادية نحو ما هو أفضل…

آفاق سياحية واعدة: تخطط تونس لاستقطاب أكثر من 100 ألف سائح صيني في افق سنة 2026…

من أبرز المشاريع الصينية في تونس: المدينة الصناعية الصينية – جبل الوسط، مشاريع البنية التحتية، قطاع الطاقة، الاتصالات…

الحزام والطريق… بُعد استراتيجي جديد: منذ انضمام تونس إلى مبادرة الحزام والطريق عام 2018، اكتسب التعاون بين البلدين طابعًا استراتيجيًا…

طريق الحرير الثقافي: بدأ التعاون الثقافي رسميًا بين البلدين بتوقيع أول اتفاقية عام 1966…

المراجع

  1. مجموعة مؤلفين، العرب والصين مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى بيروت أكتوبر 2019، ص 29.
  2. محمود حسين (ناهد)، العلاقات السياسية العربيّة الصِّينيّة والأوضاع السائدة منذ صدر الإسلام حتى نهاية العصر الأموي، مجلة جامعة دمشق للآداب والعلوم الإنسانية، مجلد 32 عدد 01، 2022.
  3. مجموعة مؤلفين، العرب والصين مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة، ص 13.
  4. مركز دراسات الوحدة العربية، العلاقات العربية الصينية بحوث ومناقشات، الندوة الفكرية، الطبعة الأولى ماي 2017، ص 15.
  5. موقع سكاي نيوز عربي، “متجاوزا التوقعات.. الاقتصاد الصيني ينمو 5.4% في الربع الأول”، 16 أفريل 2025.
  6. جريدة المغرب، في الذكرى الـ 60 للعلاقات الدبلوماسية التونسية الصينية، روعة قاسم، 18 مارس 2024.
  7. المشرقي (زهور)، العلاقات الصينية-التونسية: عقود من الصداقة والثقة وطموح واعد حاضرا ومستقبلا، المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية، 04 جوان 2024.
  8. Bangui (Thierry), la chine, un nouveau partenaire de développement de l’Afrique, L’Harmattan 2015, P 56.
  9. جريدة الصباح التونسية، بين تونس والصين.. مشاريع واعدة في الصحة والنقل، الأحد 23 فيفري 2025.
  10. الرئيس قيس سعيّد، رسالة تهنئة إلى الرئيس شي جين بينغ بمناسبة الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، 10 جانفي 2024.
  11. الرئيس شي جين بينغ، خطاب في مكتب الأمم المتحدة، جنيف، يناير 2017.
  12. منتدى التعاون الصيني العربي، مذكرة تفاهم لتطوير العلاقات الثنائية، يوليو 2018.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى